سيد محمد طنطاوي

237

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) * جملة معترضة بين الشرط وجوابه للمسارعة إلى توبيخ المشركين وتجهيلهم . أي : واللَّه - تعالى - أعلم من كل مخلوق بما هو أصلح لعباده ، وبما ينزله من آيات ، وبما يغير ويبدل من أحكام ، فكل من الناسخ والمنسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ . وقوله - تعالى - : * ( قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) * جواب الشرط ، وهو حكاية لما تفوهوا به من باطل وبهتان : وقوله * ( مُفْتَرٍ ) * من الافتراء وهو أشنع أنواع الكذب . أي : قال المشركون للنبي صلى اللَّه عليه وسلم عند تبديل آية مكان آية : إنما أنت يا محمد تختلق هذا القرآن من عند نفسك ، وتفتريه من إنشائك واختراعك . . وقوله - تعالى - : * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * تسلية للنبي صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه منهم . أي : لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما قاله هؤلاء المشركون في شأنك وفي شأن القرآن الكريم ، فإن أكثرهم جهلاء أغبياء ، لا يعلمون ما في تبديلنا للآيات من حكمة ، ولا يفقهون من أمر الدين الحق شيئا . وقال - سبحانه - * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * للإشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق وتدركه ، ولكنها تنكره عنادا وجحودا وحسدا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على ما آتاه اللَّه من فضله . ثم لقن اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم الرد الذي يقذفه على باطلهم فيزهقه فقال : . * ( قُلْ نَزَّلَه رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ، لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ، وهُدىً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) * وروح القدس : هو جبريل - عليه السلام - ، والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى الصفة . أي : الروح المقدس . ووصف بالقدس لطهارته وبركته . وسمى روحا لمشابهته الروح الحقيقي في أن كلا منهما مادة الحياة للبشر ، فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب ، والروح تحيا به الأجسام . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين ، إن هذا القرآن الذي تزعمون أنني افتريته ، قد نزل به الروح الأمين على قلبي من عند ربي ، نزولا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، ليزيد المؤمنين ثباتا في إيمانهم ، وليكون هداية وبشارة لكل من أسلم وجهه للَّه رب العالمين .